محمد ابو زهره

587

خاتم النبيين ( ص )

وإن حقيقة الروح لا تزال سرا من أمر اللّه لا يعلمها أحد سواه ، نرى مظاهر وجودها ، ولا نعرف حقيقة أمرها ، لقد عرف ابن الانسان الكون وظواهره ، وأدرك بالاستقراء الأفلاك ، وأبراجها وارتفع ابن الأرض إلى السماء ، ووصل إلى القمر ، بأسباب المادة ، لكنه إلى الآن لا يعرف حقيقة الروح ولا كنهها ، وإن كان يعرف بعض ظواهرها ، وأعراضها . 399 - وسألوه عن ذي القرنين ما هو وما كان أمره ، وما فعله ، فذكر اللّه سبحانه وتعالى السؤال ، وأعلم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالجواب في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً . إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً . حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ، وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً ، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ، إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى ، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً . حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً . كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً . ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً . حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا . قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ، عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً . آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ، حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ، قالَ انْفُخُوا ، حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً ، قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً . فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً . قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا . ( سورة الكهف : 83 : 98 ) هذا سؤال قصد به الإعجاز ، وإذا عجز محمد عليه الصلاة والسلام عن الإجابة طاروا فرحا ، وألقوا بالريب في النفوس ، وذلك ما يقصدون ، وإليه يهدفون . ولكن الإجابة كانت علما غزيرا ، وتتبعا دقيقا لسيرة ذي القرنين ، وما كان له من أعمال لها أثر وذكر ولسان صدق ، وكان ذلك البيان العجيب الصادق مسترعيا لعقول وقلوب الذين يستمعون إليه ، فكان أثر الإجابة حجة لأهل الإيمان مثبتا لدينهم الذي ارتضوا .